التفتازاني
86
شرح المقاصد
قلنا : ذاك في العلل المعدة ، وكلامنا في العلل المؤثرة . فالأب بالنسبة إلى الابن ليس إلا معدا للمادة لقبول الصورة ، وإنما تأثيره في حركات وأفعال تقضي إلى ذلك وتنعدم بانعدام قصده ومباشرته ، وفي هذا قياس سائر الأمثلة . فإن البناء إنما يؤثر في حركات تقضي إلى ضم أجزاء البناء بعضها بالجواز إلى بعض ، ووجوده إنما هو أثر التمسك المعلول ليس العنصر هذا على رأي الفلاسفة ، وأما على رأي القائلين باستناد الكل إلى الواجب بطريق الاختيار وتعلق الإرادة فالأمر بين . المؤثر في الوجود مؤثر في البقاء ( قال : والمؤثر في الوجود قد يكون هو المؤثر في البقاء « 1 » كالشمس للضوء « 2 » وقد يكون غيره « 3 » كمماسة النار للاشتعال « 4 » واستمرارها بمعونة الأسباب لبقائه « 5 » ) . يريد أن ما يفيد وجود الشيء قد يفيد بقاءه من غير افتقار إلى أمر آخر كالشمس تفيد ضوء المقابل وبقاءه ، وقد يفتقر البقاء إلى أمر آخر ، وهذا ما يقال : إن علة الحدوث غير علة البقاء كمماسة النار تفيد الاشتعال ثم يفتقر بقاء الاشتعال إلى استدامة المماسة واستمرارها بتعاقب الأسباب .
--> ( 1 ) أي في بقاء ذلك الموجود . ( 2 ) لحاصل في مقابلها فإنها هي المؤثرة في وجود ذلك الضوء ، وهي المؤثرة في بقائه على المقابل لأنها إذا غابت عن المقابل انتفى بقاء ضوئها عليه . ( 3 ) أي غير المؤثر في الوجود . ( 4 ) الذي هو أخذ النار المشتعل فيه وشروعها في حروقه فإن تلك المماسة علة الاشتعال أولا . ( 5 ) أي لبقاء ذلك الاشتعال .